ظاهرة تشغيل الأطفال بالقطاع الغير مهيكل: الأسباب والانعكاسات

جواد أبوزيد* – نبراس الشباب:

تكتسي دراسة ظاهرة تشغيل الأطفال بالقطاع غير المهيكل أهمية بالغة، نظرا لخطورة الظاهرة في حد ذاتها، ونظرا للعدد الهائل من الأطفال الذين يعملون في هذا القطاع. إذ يقبع في معظم الوحدات غير المهيكلة، وخصوصا بوحدات الصناعة التقليدية – التي تعمل على هامش القوانين المنظمة للممارسة الاقتصادية – أطفال في مقتبل العمر يمارسون نشاطهم اليومي في ظروف لا تخلو من مخاطر وحوادث. لكن حاجتهم إلى المال وتعلم الحرفة ترغمهم على التناسي، أو بالأحرى، التعايش مع ظروف عملهم.

فما هي الأسباب التي تدفع بالأطفال إلى العمل؟

تتظافر عدة عوامل فيما بينها لتفضي إلى انبعاث، ومن تم تصاعد ظاهرة تشغيل الأطفال، ومن أبرزها:

-الفقر: يعتبر من الأسباب المباشرة والأكثر وضوحا، وله تأثير مباشر على الطفل وعلى الأسرة. ذلك أن انتشار الفقر وتزايد ضحاياه، أمام الارتفاع المستمر للأسعار، وغلاء المعيشة، وكبر حجم الأسرة، ومحدودية مداخيل أغلب الأسر إن لم نقل انعدامها لدى الكثير منها، تجبر أغلب الأسر إلى الدفع بأبنائها إلى سوق الشغل لمساعدتها في مواجهة تكاليف الحياة.

-تفكك الأسرة: تعد الأسرة أحد الأنساق التي تمثل نقطة ارتكاز أساسية في تدعيم التوازن الاجتماعي وترسيخه، ومن هنا، فإن أي اختلال في بنية الأسرة، أو قصور في أداء وظائفها سيترجم على شكل تصدعات في جدار البنيان الاجتماعي برمته[1]. ومن تم يمكن التنبؤ بالذي قد يلعبه التفكك الأسري نتيجة الطلاق أو وفاة أحد الوالدين، في الدفع بالأطفال إلى سوق الشغل، خصوصا، إذا ما اقترن بظروف معيشية صعبة.

-الفشل المدرسي: يرتبط هذا العامل بمحدودية النظام التعليمي بالمغرب عموما، وما خلفه من انتشار ظاهرة الرفض والعزوف والتخلي عن المدرسة، والاعتقاد السائد بأن التعليم غير مجد ولا يوفر العمل…

هناك عوامل أخرى كالهجرة القروية وما يتبعها من رغبة في الترقي الاجتماعي، وتأثير العامل الثقافي من قبيل رغبة بعض الآباء في اكتساب أبنائهم القدرة على تحمل المسؤولية والاعتماد على الذات، أو توريثهم مهنهم التي توارثوها بدورهم عن آبائهم[2]، إلى جانب تفضيل اليد العاملة الصغيرة في بعض الأنشطة كالزرابي، والصناعة الجلدية، مثلا. فتشغيل الأطفال يؤدي إلى التخفيض من تكلفة منتجات القطاع غير المهيكل، مقارنة بتكلفة نفس السلع التي ينتجها القطاع المهيكل، وهو الأمر الذي يعطي للقطاع غير المهيكل ميزة تنافسية أفضل، يسعى أغلب الفاعلين بهذا القطاع إلى الاستفادة منها. وذلك رغم النداءات المتكررة والاتفاقيات التي وقع عليها المغرب، لحماية الطفل ضد الاستغلال الاقتصادي[3] ، عوامل كلها تتفاعل لتساهم في انتشار عمالة الأطفال وتوسيع هامشها. فماهي انعكاسات هذه الظاهرة على الطفل والمجتمع؟

إن أول من يذهب ضحية تشغيل الأطفال هم الأطفال أنفسهم بالأساس، إذ التشغيل المبكر يؤثر على النمو الجسدي والنفسي والعقلي للطفل بشكل سلبي ويعرضه لمختلف الأمراض. فغالبا ما يضطر الطفل العامل إلى معايشة ظروف عمل قاسية، بدءً برفع البضائع الثقيلة، مرورا بالتعرض لمواد كيماوية وغازات سامة وغبار… وصولا إلى المخاطر المتصلة بالتعامل مع الآلات والماكينات، إضافة إلى المعاملة القاسية التي قد يتلقاها الطفل من صاحب المقاولة. وهكذا، عاشت المدينة القديمة لفاس على سبيل المثال لا الحصر حوادث مؤلمة ذهب ضحيتها أطفال في مقتبل العمر، نذكر منها:

-فاجعة احتراق خمس فتيات وإصابة أخريات بحروق من درجات مختلفة، أثناء اشتغالهم ليلا داخل ورشة لصناعة الأحذية بحي القطانين، بتاريخ 20 شتنبر 2003.

-تعرض الطفل عثمان لحادثة مروعة قطعت على إثرها يداه، شهر فبراير 2003، أثناء تشغيله لإحدى الماكينات الضخمة لقطع الجلد (انظر الصورة التالية).

إعاقة مستديمة تعكس حقيقة المعاناة، والأخطار التي تهدد فئة واسعة من الأطفال العاملين بالقطاع غير المهيكل:

ومن الانعكاسات السلبية للانخراط المبكر للأطفال في العمل، أن يكون عملهم سببا في الفقر وتخلف المجتمع كذلك، ذلك أن تشغيلهم يجعل البلد يضيع في طاقة أبنائه، حيث عوض أن توفر لهؤلاء فرص التعليم والتكوين المؤهل لمسايرة التطور التقني الحديث في مجال الإنتاج الصناعي، وتمتيعهم بحقوقهم في الصحة واللعب… لينشأوا نشأة سليمة، تمكنهم من إفادة أنفسهم وبلدهم بمختلف إمكانياتهم وطاقاتهم، فإنه يحكم عليهم بالأمية، والاستغلال، والضياع … وبالتالي استدامة الفقر من جيل لآخر.

إلا أن هذا، لا يمنع من القول، بأن انخراط هذه الفئة في العمل منذ الصغر، يمكن أن يجعلها أكثر حيوية وتعرفا على المحيط الذي تعيش فيه وتدافع عن حقوقها في سن مبكرة.

وعليه، فإن مسألة تشغيل الأطفال هي معقدة يجب دراستها بحذر واستحضار جميع جوانب هذه الظاهرة:  الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية…

*باحث في الجغرافية البشرية
Jaouad_244@yahoo.fr


[1] – خالد سليمان، سوسن مرقة (2002): أضواء على ظاهرة عمالة الأطفال، مقاربة نقدية. مجلة عالم الفكر، العدد: 3، المجلد: 30، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ص: 137.

[2] – خالد سليمان، سوسن مرقة(2002): نفس المرجع السابق. ص: 138.

[3] –  الوزارة المكلفة بحقوق الإنسان: اتفاقية حقوق الطفل، المادة: 32، ص: 10.

أعجبك الخبر؟ يمكنك مشاركته مع أصدقائك:
  • Facebook
  • Twitter
  • del.icio.us
  • Google Bookmarks

التعليقات: 29

  • بقلم عبد الجليل اداكناو بتاريخ 1 مايو, 2010, 18:54

    شكرا جزيلا الاخ جواد على الموضوع.بالفعل ان تشغيل الاطفال وصمة عار في تاريخ البلدان التي تعاني من هذا المشكل. واتوقف عند الشق الاخير من مقالك القيم. فعلا ان العمل المبكر يجعل الطفل يعي ما يقع حوله.والعالم يتذكر بالاسى ما وقع للطفل الشهيد الباكستاني (اقبال مسيح).الذي اغتالته ما فيا الزرابي. وقبل يومين او ثلاتة تعرض طفل يعمل في ورش ميكانيك لحريق خطير نقل على وجه السرعة الى الدار البيضاء.لتلقي علاجات قدرت تكاليفهابحوالي 20000الف درهم.الطفل عاد الى البيت الذي يكتريه في بوبزكارن بعد يوم عمل. ولما اراد اعداد الشاي وقعت الواقعة وكل من شاهد هذا الحادث تاثر….انها ظاهرة يجب القضاء عليها وعلى وزارة الاسرة والتضامن ات تتحمل مسؤوليتها .

  • بقلم عبد الجليل اداكناو بتاريخ 3 مايو, 2010, 1:09

    التعليق 1 (تتمة) التحق الطفل بالرفيق الاعلى.فقد كانت درجة الحريق اقوى من ان تستجيب لاي علاج.انا لله وانا وانا اليه راجعون .ونتمنى لذوبه الصبر والسلوان.وسينقل الجثمان الطاهر الى الاخصاص من الدار البيضاء .يومه بعد القيام بالاجراءات القانونية.وكل من عرف الفقيد عرف فيه الطيبوبة والاخلاق الحسنة وكان شديد العطف على والدته. كان الله في عونها.

  • بقلم moha wahda بتاريخ 20 ديسمبر, 2010, 20:25

    merci pour ce programme

  • بقلم sanaa بتاريخ 1 مارس, 2011, 17:15

    trés bien je souhit arréter pour tout les enfant

  • بقلم زينب بتاريخ 7 يونيو, 2011, 22:13

    موضوع جد حساس راااااااااااااااااائع شكرا لكم

  • بقلم أبو سارة بتاريخ 3 يوليو, 2011, 13:05

    موضوع مهم يحتاج إلى وقفة متانية تنظر في الأسباب والحلول الكفيلة بحل هذه الظاهرة أوالتخفيف منها على الأقل فاطفالنا هم مستقبلنا وعلى الدولة ان تعيد النظر في رؤيتها لمفهوم الأسرة وللمؤسسات -الوزارة- الساهرة على هذه الخلية الحيوية في المجتمع وأن تضع الإطار المناسب لها لا كما نلاحظ الآن وزيرة بعيدة كل البعد عن اهتمامات الأسرة المغربية ….

  • بقلم lora بتاريخ 20 ديسمبر, 2011, 21:20

    hada mawdou3 rai3 wa moutir lil intibah wa al jadl wa chokran jazilan

  • بقلم MUSTAPHA بتاريخ 11 أبريل, 2012, 15:20

    hadchi 3andkom wa3r o fi ns alwa 9t mzin .

  • بقلم MUSTAPHA بتاريخ 11 أبريل, 2012, 15:23

    trés bien je souhit arréter pour tout les enfant

  • بقلم oumayma بتاريخ 26 أبريل, 2012, 14:29

    bon sujet je veux re merci tou les condida pour ce site eet merci beucoup

  • بقلم المهدي حاجي بتاريخ 13 مايو, 2012, 23:49

    شكرا جزيلا أستاذنا المحترم على هذا الموضوع الشيق الذي يتناول ضاهرة  تشغيل الاطفال  فجزاك الله خيرا على افادتنا وشكرا

  • بقلم المهدي حاجي بتاريخ 13 مايو, 2012, 23:56

    شكرا جزيلا أستاذنا المحترم على هذا الموضوع الشيق الذي يتناول ظاهرة  تشغيل الاطفال  فجزاك الله خيرا على افادتنا وشكرا

  • بقلم wissal بتاريخ 17 أكتوبر, 2012, 20:27

    chokran 3lla hada al mdou3

  • بقلم منمنينبميب بتاريخ 19 أكتوبر, 2012, 20:23

    ونود جمع راسك

  • بقلم منمنينبميب بتاريخ 19 أكتوبر, 2012, 20:24

    اه اسف غلط الموضوع جمييل جدا ويحتاج لنقاش طويل ……

  • بقلم atika بتاريخ 23 أكتوبر, 2012, 14:35

    had lmawdou3 zwin bzaf kay9dm lina ma3loumat kan stafdo mnha et merci

  • بقلم fatima بتاريخ 4 نوفمبر, 2012, 14:23

    baraka allah fik hada almawdo3 jamil jiiiiiiiiidan

  • بقلم zakaria elyoubi بتاريخ 10 نوفمبر, 2012, 18:42

     had lmawdo3 zwin zwin zwin  bzaf ahsantom kana5do mano bzaf diyal lma3lomat  chokran lakom

  • بقلم maram بتاريخ 17 نوفمبر, 2012, 20:55

    7a9an chaye moesif mawdo3e zwin xokran bzafe

  • بقلم ibtissam بتاريخ 2 ديسمبر, 2012, 11:29

    merci 3la had lmawdou3 hit rah fadni bazaf t

  • بقلم oumnia بتاريخ 10 ديسمبر, 2012, 23:03

    ce filme beaucoup j’aime

  • بقلم omaya بتاريخ 12 ديسمبر, 2012, 20:27

    ce filme beaucoup j’aime

  • بقلم omaya بتاريخ 12 ديسمبر, 2012, 20:38

    7de almawdo3 ana brita bzaf 79che fi7 ma3loumat ktfidna  fi l7ayat dyalna

  • بقلم maha بتاريخ 27 ديسمبر, 2012, 7:13

    mawdou3 laho ta2tir 3ala almoujtma3 almaghribi aw l3arabi bisif 3aama 

  • بقلم oumnia بتاريخ 29 ديسمبر, 2012, 13:23

    merci

  • بقلم اميمة بتاريخ 12 مارس, 2013, 0:38

    had l’objet mziwn fih des paragrafes et des photos merci beaucoup :)

  • بقلم sénior mouad بتاريخ 18 مارس, 2013, 22:38

    trés bien je souhit arréter pour tout les enfant

  • بقلم Šĕnïõr Mouad بتاريخ 18 مارس, 2013, 22:39

    ce filme beaucoup j’aime

  • بقلم اميمة برهيل بتاريخ 15 أبريل, 2013, 21:58

    merciiiiii

أكتب تعليقك

© 2014 نبراس الشباب. جميع الحقوق محفوظة.
هذا الموقع يستعمل وورد بريس المعرب، تصميم Wordpresstop تعريب وتعديل وتركيب دنيا الأمل.